الأربعاء , سبتمبر 21 2022
الرئيسية / خواطر / شتاء وكآبة

شتاء وكآبة

الإنتحار .. هو كلمةٌ ذاتُ أبعادٍ متشعّبة كثيرة
فهناكَ البُعد السيسيولوجي بمنظورِ عِلم الإجتماع
وهناكَ النّظرةُ السيكولوجية النّفسية
وهناكَ البُعد الدّيني
أمّا هُنا فأودُّ تعريفها بخاطرةٍ متواضعةٍ رُبما تَصف الصّورة بشكلٍ مقبول !

سماءٌ ملبدةٌ بالسّحبِ السّوداء
تنجدل في صفحتها الرّعود وتتراءى في فيحائها البُروق
تباشيرٌ منذرةٌ بمطرٍ غزير، وطيورٌ تنسربُ نحو زوايا الفضاء تختبئ في غيابيب أعشاشها المخفية
لتتركَ المشهدَ المطريّ يتظاهرُ على تلكَ اللّوحةِ الندية منفرداً مع الأغصانِ الخريفيةِ والأوراقِ المتناثرة !

ذبول الورودِ و إنحناءَ الجّذوعِ وخفوتَ الألوان
كلّ شيء يميلُ للرتابةِ والخفوتِ والذبول !

الكآبة … تشكل مدخلاً للإنتحار والباعثَ عليهِ في كثيرٍ من الحالات
والكآبةُ النفسيةُ تشابهُ اللّوحة المطريّة تلك
فالألوانُ الباهرة تخفُت
والأصواتُ المرحةُ تخمُد
والزهورُ الصيفيةُ تزوي
ونشاطُ البدنِ يتهالك
وحدّةُ المزاجِ تتراجع
وهكذا حتى يُصبحَ كلّ شيء مائلٍ للتراخي رويداً رويدا

أما الإنتحار … فهو يشابهُ السّيل العارم الذي يعقب تلكَ المرحلة
فالأعاصيرُ تضربُ في الجنبات
والأغصانُ تتكسرُ شُدفا متناثرة
والغيومُ البيضاء تستحيل نسيجاً أسوداً تتضاربُ في بطونها الرُّعود
وتنهمرُ من حناياها الأمطار الوابلة
ثم هناكَ الغاباتُ المنجرفة
والأحياءُ المتهالكة
والضحايا الغرقى !

قد تكون الغيوم المطرية محمّلة بالمطر
وقد يأخذ المطرُ فيها أحدَ شكلين
إما أن يكونَ مطرَ خيرٍ وفيرٍ وصحةٍ متجددة، ومَحْيٌ للأوبئةِ، واستنباتُ الحياة…
وإما أن يكونَ سيلاً ضارباً يجرف كلّ المرافق والجنباتِ فلا يبقي ولا يذر !

الكآبةُ كذلك …

إما أن يتعالج المرءُ منها ويصحّحَ نظرتهُ للحياة
وعندها ستنقشعُ سحاباتُ الهمّ حوله
وتُمطرَ غُيومهُ خيراً
ويستعيدَ نشاطهُ الذّهني
وإرادتهُ الصلبة
وآفاقهُ الإبداعية …

وإما أن يتفاعلَ مع حُزنهِ
والأحزانُ عندما نتفاعلُ معها تتضخّم
وعندها يدخل بمرحلةِ الخطرِ حيثُ يناقش أحزانهُ بالعاطفة لا بالعقل
فترى الحُزنَ أحزان
والهمّ يسكب هم
وهنا يكون السّيلُ الوبيل الذي لا يبقي ولا يذر
فقد تراود المرءُ شواردُ الخاطر أن ينهي حياتهُ، وهذا هو سبيلُ اليأسِ، وليسَ سبيل إنهاءِ اليأسِ كما يَرى المُنتحر المُنكود !

فالكآبةُ النفسيةُ هي بمنزلةِ المشهدِ الشتوي
قد يبدو كلّ شيء متهالكٍ خافتٍ وخامد
ولكنّ ماءَ الحياةِ لا يأتي إلا شتاءاً
والأزمات الصّعبة تستولدُ أنفُساً ثمينةً وعقولاً حكيمة
وعندها نستطيعُ أن نغيّرَ نظرتَنا لتلكَ الأجواء الخافتة لنرى بها الحياةَ الجديدةَ التي نحن سنُقبل عليها
وذلكَ يكونُ بالمناقشةِ العقلانيةِ لأصولِ أحزاننا وعواطفنا، لا بالإستعطافِ الهيستيري لقلوبِ الناس والاستجداء المرضي لدموعِ المستمعين !

بقلم : ياسين عبد المعين أبو خصرين
طالب في كلية الطب البشري
السنة الثالثة
جامعة حماة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!