الإثنين , فبراير 21 2022
الرئيسية / خواطر / صرختي الأولى

صرختي الأولى

صرختي الأُولى ..
كانَت كلمتي و خاطِرتي الأُولى .. ومازالت كَذلك
كنتُ مفعماً بالمعاني و المشاعِر
ولا أملكُ مِنَ اللُغاتِ سِوا صوتي و بكائي

صرختي الأولى ..
كانت نداءاً حقيقـيــــاً
كانت تعبيراً صريحــــاً
كانت رسـالةً صوتيـةً
كانت إنـذاراً مدويــــاً

لم تكن بُكاءَ طفلٍ رضيعٍ استقبلَ الدنيا مجرداً من شوائبِ الحياة
بل كانت صرخةَ خوفٍ من ويلاتِ حربٍ قادمة بعد ثلاثةٍ و ثلاثينَ عاماً

خوفاً على نجمتي التي تُنير دربي .. أُمي التي ستُتعِبُها الأَيامُ و تُمرِضُها السّنوات
خوفاً على سندي و مَصدَرِ قوّتي .. أبي الذي سَيشقى بإعمارِ الحجرِ و زرعِ الشجر و إرضاءِ البشر
خوفاً على أحجارِيَ الكريمة .. أخواتي .. من زمانٍ سيأخذُ بهم إلى أقصى مكان
خوفاً على معزوفتي و شريانِ عمري في الحياة .. زوجتي
خوفاً على جسدي الصغيرِ و نبضِ حياتي .. طفلي الصغير
خوفاً على نفسي من الضياعِ في مكانٍ قد أنهكهُ الزّمان
خوفاً على جدي و جدتي .. رحمَهُما الله
خوفاً على من سيتوفاهمُ اللهُ من أقاربي و قد توفاهم و أصبحوا في أحاديثِ الذكريات
خوفاً على أرضي و بلدي و مجتمعي من التشتتِ و الضياع

هوَ الخوفُ إذاً كُنتُ قد شاهدتُهُ في شريطِ المستقبلِ قبلَ الدخولِ في سجنِ الحياة

صرختي الأُولى .. قد أنهكتني
صرختي الأُولى .. قد أتعبتنـي
صرختي الأُولى .. قد أبكتنــي

صرختي الأُولى .. لم تنتهي بعد .. فقد لازمتني ثلاثةً و ثلاثينَ عاماً
أرددها كلَّ يومٍ و ساعةٍ و ثانية
أكررها كلَّ عامٍ بنفسِ الثانـيــة

و ها أنا أكررها مجدداً لعلها تصلُ لكم ..
أهلـي و أقاربـي و أصدقائـي و زملائـي
إبقَوا هُنا ولا تغادروا الزَّمانَ ولا المكـان

لا تغادروا زمانَكُم الحالي
فالعيشُ في المستقبلِ وهمٌ و في الماضي ضيـــاع
لا تغادروا مكانَكُم فمكانُكُم العُلا و مادونهُ ليسَ لكم

أخافُ عليكم و أخافُ على نفســـي و على مجتمعـي
من صفاتٍ قد تناثرت طعناتُها في الأجسادِ و العقول

هنا طعنةٌ من صديقٍ غيرِ ودود
هنا طعنةٌ من عــــــدوٍ لــــدود
هنا طعنةٌ من بخيـــــلٍ مذلول
هنا طعنةٌ من طمـــــاعٍ أكــول
هنا طعنةٌ من متسلطٍ مَسعور

طعنةٌ من قريبٍ و من بعيد
طعنةٌ من جاهلٍ و من مثقف

و هنا طعنةٌ في وطني أدمت كلَّ إنسانٍ غيور

في كلِّ طعنةٍ صرخة و في كل صرخةٍ نداء أن لا تغادروا ..
لا تغادروا زمانكم ولا مكانكم إلا بتركِ الأثرِ الطيّب
فغداً لا نعلمُ بأي لونٍ سيكون
و الماضي قد أصبحَ رمادياً
والحاضرُ هو الريشةُ بها نرسمُ الماضي القادمَ و المستقبل

عيشوا لحظاتِكم و ازرعوا الأثرَ الطيّبَ دائماً
يزولُ الجسدُ و يبقى الأثر

و ما الحيــاةُ الا امتحاناتٌ ظالمــة
فيها الكثيرُ من الخساراتِ المؤلمة

لنعبرِ الدنيا بهدوءٍ و إطمئنـــان
و لنجعل في الحياةِ أمناً و أمان

جميعُ الأفراحِ تُخفي خلفها أحزان
جميعُ الأحزانِ تُخفي خلفها صَرَخات
جميعُ الصَرَخاتِ تُخفي خلفها صَرخةً واحدة

هي الصرخةُ الأولى.

د.فائز محمود سفاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!