السبت , يونيو 12 2021
الرئيسية / خواطر / عصرُ الجليد

عصرُ الجليد

الوقت .. لا أدري
هل يقاسُ بالساعاتِ أم بالدقائقِ و الثواني ؟
أم يقاسُ بالأيامِ و الشهورِ و السنين ؟
أم يقاسُ بالعمرِ الذي انقضى ؟

يبدو أنَّ الوقتَ .. وللأسفِ
يقاسُ بالثقوبِ الزمنيّةِ السّوداءِ الّتي أنجزنا بها اللاّشيء .. نعم اللاّشيء
تلكَ المساحاتِ الزمنيّةِ الضائعةِ التي كُنّا نُهرولُ بِها و نَتسابقُ مع الزّمنِ آنذاكَ
للوصولِ إلى عتبةِ الأحلامِ ..

نعم استَطعنا الوصولَ إلى العتبةِ المنشودةِ و نحنُ منهكينَ مِن شدّةِ الفرحِ
قرعنا جرسَ الأحلامِ أخيراً .. و انتظرنا اللقاءَ .. ثم انتظرنا وَ انتظرنا …
حتى فتحَ أحدُهم البابَ منَ الداخلِ ..

إنّهُ الحُلمُ الّذي كُنّا نَصبُوا إليهِ .. ولكنْ !!
كانَ عجوزاً شديدَ التعبِ مرهق النفْسِ خائفاً يبكي !!
لمْ يقُلْ شيئاً .. بل انهارَ أمامنا تماماً
و مِنْ هَولِ ما رأيناه مِنْ خلفهِ لم نقوَ على حمله

رأينا من خلفهِ حقبةً زمنيةً قادمةً مظلمةً سوداءَ جليدية .. مظلمةً جداً
لن يقوَ عليها بَشرٌ ولا حجر ..
سنواتٌ لا أعرف كيف نصنّفها ..
هل هي ماضٍ ؟
أم ما زالت في الحاضر ..
أم هي مجردُ بدايةٍ للمستقبلِ ..
لا أدري !!
انقضى منها الكثير … ولم نعد ندري ما الّذي حلّ بالحلمِ العجوز !

الماضي .. ما هو إلاّ صندوقٌ مزخرفٌ مليءٌ بالذكرياتِ و الأحلامِ والاشيئ أيضاً !
الحاضرُ .. متعبٌ جداً
المستقبلُ .. غامضٌ جداً

انقضى وقتُ الأحلامِ و الذكرياتِ و دخلنا عصرنا الجليديَّ
حتّى بتنا نَرى أحلامَنا الّتي لطالما كانَتْ تراوِدُنا .. تتحطّم أمامنا و تتبعثرُ و تذوبُ
و أصبحتِ الذكرياتُ .. شريطاً سينمائياً قديماً
فيه الكثيرُ مِنَ اللحظاتِ الضائعةِ
و الكثيرُ مِنَ الألوانِ الرماديةِ و (النيجاتيف)
و الكثيرُ مِنْ لحظاتِ السعادةِ الملونةِ المحفوظةِ ..
سعادةٌ تجعلنا نُوقف الشريطَ عِندها لنتأمّلَ جمالَ تلك اللحظاتِ التي سجّلها الزّمنُ في تاريخنا الماضي ..

حاولْ أن تتذكّر بعضَ اللحظاتِ الجميلةِ الماضيةِ
بعضَ الكلماتِ .. الإبتساماتِ .. الضحكاتِ
ذكرياتِ الأهلِ و الأصدقاء ..
أترى كم هي جميلة ؟

انظر لنفسكَ الآنَ و تابعِ القراءة …

لم نكنْ نعلمُ ولم يكنْ بالإمكانِ أنْ نعلمَ ..
أنَّ شبابَنا الّذي كُنّا نطمحُ للوصولِ إليهِ في عصرِ السّرعةِ
قد سبقَنا إليهِ الزّمنُ البطيءُ و غرسَ بهِ أوتادهُ الجليدية

تجمدتِ النفوسُ مِنْ هولِ الصّدمةِ
و انطفأتْ شعلةُ الشّغفِ و أطفأتْ معها الحواسُ و المشاعرُ
باتَ القلبُ يعملُ للبقاءِ على قيدِ الحياةِ و يرتعشُ عندَ الخوفِ فقطْ ..

بدأتِ البرودةُ تتسلّلُ إلى أجسادِنا شيئاً فشيئاً
تجمّدتِ الأطرافُ ..
فلم نعدْ نقوى على العملِ أو المسيرِ قُدماً في الحياةِ الرماديةِ
تجمّدتِ الأفكارُ و المشاعرُ
تجمّدتِ الألوان ..
تجمّدتِ الأضواء ..
تجمّدتِ الأحلام ..
تجمّدتِ الحياةُ برمّتها ..

و حينَ سطعَ ضوءُ الأملِ من بعيدٍ
و أيقنّا أنَّ شمسَنا قَدْ عادَتْ إلى الحياةِ
بدأنا بالذّوبان …

بقلم : د.فائز محمود سفاف

انظر أيضاً ..

صرختي الأولى / د.فائز محمود سفاف

طبيبٌ أم حكيم / د.فائز محمود سفاف

فضاء الإنسان / د.فائز محمود سفاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!