الأربعاء , فبراير 23 2022
الرئيسية / خواطر / ليس كأي قلب

ليس كأي قلب

الهدوءُ الحذر هو ما لاحظتُهُ عندما وصلتُ إلى بابه
طرقتُ الباب … فسمعتُ صوتاً يهمس :
“ادخُلي … القلبُ قلبُكِ … أنتِ أوّل شخصٍ يطرقُ الباب طالباً الإذن بالدّخول … كلّ الذين أتوهُ قبلكِ .. أتوهُ مدمّرين عابثين”.

كانَ منزلاً متواضعاً ذو أربعة أبوابٍ من الغموضِ وعددٍ من شبابيك الشّك والحيرة …
خطوتُ بحذرٍ وأنا أتأمّل … جُدرانٌ مدمّرة … وأخرى مُزهرة … طاولاتٌ مكسّرة وأخرى تضجّ بحروفٍ مبعثرة
فوضى عارمة في هذا القِسم و لمساتُ أنثى مرتّبة أنيقة في ذاك
ستائرٌ مُمزقة … ونظيراتها مورّقة … كلّ شيء يدعو للريبة

كانت أولى الغُرف مُظلمة …
صورٌ ممزّقة لأُناسٍ ربّما مزقوها بأنفُسهم قَبل الرّحيل … حطّموا وعاثوا نزوفا عميقة وذهبوا
ذهبوا إلى اللاعودة … لكنّ آثار دمارهم لازالت موجودة
بردُ هذهِ الغرفة وأنين ذكرياتِها آلمَ ذاكرتي بشدة … لذا تَركتُها مسرعة ودخلت إلى التالية .. وليتني لم ادخل !!

الجروحُ هنا سمومٌ سمعية … كلماتٌ مضججةٌ بالشفرات …. تفتكُ بالأذن قبلَ الجسد …
كبركانٍ ينفثُ جذواته حارقاً كلّ شيء بلا رحمة .. بركانٍ لا منتهي القسوة … بركانٍ من المشاعِرِ القبيحة …
سيل منَ الكلامِ المدمّى لمهجتي الرّقيقة … لم تكن تكفيهِ كلّ ما سكبْتُ من دموعٍ تألماً وانا أحاولُ إخماد وهجه
صفعتُ البابَ هاربةً بعبراتي المتناثرة بغزارة … والنّدم يخنِقُني … أن أُخرجي من هُنا …
لكنّ صوتي الداخلي كانَ يهتفُ بشدّةٍ محرّضاً إيايَ على الإستمرارِ في هذهِ المغامرة ….

في الغرفةِ الثالثةِ فتحتُ البابَ مذعورة وأنا ألتقطُ أنفاسي باحثةً عن رشفةِ ماء …
سَرَقَتْ بصري بصمة شمسٍ مطبوعة وَسَطَ الغُرفة … شعاعها عبر النافذة معانقاً ثم ألقى بألقه فوق حوضٍ صغيرٍ مليءٍ بالتّراب …
والنباتات الخضراء تصارعُ حبيباتهِ لتقفِزَ عالياً فوقَها وتتمايلُ مع دفءِ الشّمس …
اقتربتُ من هذا الحوضِ متأمّلة … يالعظمتكَ يا عظيم … ترابٌ بائسٌ عقيم … تنتفضُ من داخلهِ الحياة
عِناقُ اللّونِ الأصفر مع الأخضر بثَّ في عروقي مشاعرَ حبّ جيّاشة …
كانتْ إشارة ربانية ولابد من التقاطها بواسِطة الحكيم المتربع في راسي …
لحظات ولحظات…ونفسي لا تُطاوعني تركَ هذا المشهد الحميمي المفعمِ بالآمال …
وحينَ هممتُ الرّحيل…وقعَ نظري على ورقةٍ معلّقة على بابِ هذهِ الغرفةِ منَ الدّاخل
“ليسَ كأيّ قلب … انظُري الغُرفة الأخيرة”

ساقني فضولي قبل قدمايَ نحوَ الغُرفة الأخيرة … كانَ بابها مفتوحاً
دخلتُ على مَضض والتردُد والفُضول يتصارعانِ في رأسي …
لكني ذُهلت … جُدرانٌ بيضاء مزركشةٌ بالورود … سقفٌ ذو لونٍ أزرق متدرّج كأمواجِ البحر … تتوسطهُ ثريا لؤلؤية عاليها تاجٌ من الوردِ الجوري المرصّع بالياسمين الأبيض…وفي زاوية هذهِ الغرفةِ ملاكٌ بشري .. طويل القامة … عميق النظرات .. خجول الإبتسامة … تقدم نحوي قائِلا:” يا سيدتي.. القلبُ قلبكِ… مرحباً بك ”
واتجه نحو التاجِ وحملهُ بلطفٍ ووضعهُ على رأسي وهو يقول:” يا سيدتي … هذهِ مملكَتُكِ … قلبكِ عاصمتها … ضحكاتكِ نشيدها … ميلادكِ عيدها الوطني … ولا يُخَط دستورها إلا من نظرات مقلتيكِ ”
طأطأت راسي خجلة:” لماذا كل هذا؟”
رد بزهو : “هذا المكان الذي غامرتِ وتجولتِ فيه قلبكِ … لكن يا أميرتي الصغيرة … حَقّ لكِ أن تفخري بهِ … بتربّعك على عرشِه … عرشِه الذي نُحِتَ من آمالٍ أليمةٍ … وجروحٍ دميمة …
قلبكِ يا سيدتي حقاً ليسَ كأيّ قلب”

بقلم : إيلاف علي حلاق
طالبة في كلية الطب البشري
جامعة تشرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!