الأربعاء , سبتمبر 21 2022
الرئيسية / خواطر / نوستالجيا

نوستالجيا

مع الوقت ستتوسع الحياة شيئاً فشيئاً
ستقترب من الأفقِ المنشود يوماً تلوَ الآخر
و مع ذلك أنت لا تعلم ما هي المسافة المتبقية للوصولِ إلى نقطةِ المستقر
و ما هي المدة الزمنيّة اللازمة لذلك

وفي خِضَم هذا المسيرِ الطويلِ لابد من فتراتِ استراحةٍ مع فنجانٍ من القهوة
نعم يا صديقي اجلس و استمتع بفنجانكَ و خذ قسطاً من الراحة
فجسدكَ اليوم ليس كما كانَ بالأمس
روحك و شخصيتك و عواطفك الآن في مرحلةٍ عمريةٍ جديدةٍ و متقدمة
أنت فعلاً بحاجة لتلك اللحظة و ذاكَ الفنجان

انظر قليلاً إلى الخلف ..
الكثير من الطرق و السّهول و الوديانِ و الجبالِ و المنحدرات
لحظات عاصفــة و أخرى ربيعيــة
غيـــوم ســــوداء و أخرى بيضــاء
سيول جارفـــة و بحيرات عذبـــة
ريــــــاح عاتـيــة و نســائم رائعة

هل اختلطت عليك مشاعر الطفولة مع أول رشفة من القهوة ؟
سيعود بك فنجانك الدافئ إلى أجمل لحظات الدفء و المحبة .. احذر من هذة الجرعة و انتبه لدقات قلبك جيداً.

في السّماء كوكبة من النجوم اللامعة ..
إنها أحلام الطفولة البريئة التي قد حققتها و هي الآن مرصّعة بالألماس تضيء السّماء …
لا تطل النظر إليها فقد يتساقط الألماس من عينيك.

سأحدثك عن ذكريات الأهل و الأصدقاء ..
انني أسمع كلامهم و أصواتهم و كأنها إشارة راديوية بعيدة متقطعة متداخلة مع موسيقى تراب الماضي لمروان أنور المزينة بصوت أم كلثوم و محمد عبد الوهاب ..

للأماكن و النوافذ و الأبواب ذكريات لا أعلم كيف للدماغ البشري أن يستوعبها و هي بهذة الفولتية العالية.

روائح الماضي مازالت مسجلة بذاكرتي ..
وازدادت حدة بعد أن عصفت بنا لعنة الحاضر و التحضر التي أصابت العالم أجمع و فقدت على اثرها حاستي الشم و التذوق ..
لا بأس فالحاضر لا طعم له ولا رائحة إلا ما ندر .. قليل من لحظات الراحة و السعادة هي ما يعيننا على المضي قدماً.

لو استطعنا أن نجمع مشاعرنا و عواطفنا و ذكرياتنا التي عشناها منذ الطفولة حتى الآن في هذا الفنجان الصغير
صدقني سوف لن نقوى على شربه أبداً …
لن نستحمل تأثير النوستالجيا الموجودة داخل هذا الفنجان أبداً
سيقضي علينا من أول رشفة
ستسري النوستالجيا في عروقنا كما يسري الأدرينالين في عروق المريض في محاولة لإنقاذه من الموت
لكن النوستالجيا ستسري في عروقنا في محاولة لإنقاذنا من الحياة.

بقلم : الدكتور فائز محمود سفاف
طبيب مقيم باختصاص التشريح المرضي
مستشفى حماة الوطني/ مستشفى دمشق
مؤسس خواطر طبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!