الخميس , فبراير 24 2022
الرئيسية / خواطر / و للروح حديثهــا

و للروح حديثهــا

أشرقت طلعَتُها البهيّة حينَ أخبرها الطّبيب أنّها تحملُ روحاً في أحشائها…
أخذت تخطُّ مسيرها برفقَةِ هذهِ الرّوح …
راحت تكلّمها كأنها تمشي بجوارها لا تنبضُ داخلها

في هذه الحجرة اللّحمية الصّغيرة …
خُلق قلبكَ يا ولدي من صنعِ الرّب ..
لفظَ نبضتَهُ الأولى …
أبصرَ ظلاماً محيطاً بهِ ونوراً متأججاً في داخلهِ …

أحمَدُكَ وأشكُركَ يا رب عدَدَ قطراتِ دماءِ أمّي التي أمدتني بالحياةِ …
ولكن أخبريني يا أمّي….من أنا ؟
ولماذا أضيءُ وحدي في بقعةٍ دامسة ؟؟

أنتَ أعظمُ ما خَلقَ اللّه .. وأسمى ما صَنَع..
أنتَ مِداد الجسدِ … و دواء للغلّ والحقدِ والحسد …
أنتَ ملك هذهِ الدّنيا واللّهُ مالِكُها..
أنتَ السّائر فيها وهو مسيّرها …
و بيدهِ لا بيدِ غيرهِ أمرك وقدرك.

يالقدرَتِهِ المدهشة …. وأينَ أنا الآن ؟؟
أنتَ في حِفظِهِ و رعايتِهِ ما طلعتْ أنفاسك و ما زفرتْ ..
وما قلّت نَبَضاتِك ودفقاتِك و ما كثرتْ …
في أكثرِ أماكنِ العالمِ دفئاً وأشدُّها حناناً وأماناً وحباً

و لماذا أنا وحدي ؟؟
لستَ وحدَكَ …
أنتَ محاطٌ بهِ على الدّوام ..
كيفَ تُبصر الوحدَة وقد أمدّكَ بكمالِ العقلِ .. و أحاسيسِ الرّوح و ضياءَ النّظر !!
لستَ وحدَك … و غيثهُ سينقذكَ في كلّ لحظاتِ قحطكَ وجفافك …

كم هي واسعةٌ رحمتهُ … كيفَ لي أن أراه ؟؟
لديكَ البَصَر و البصيرة …والعقل و أساريره ..

وماذا بعدَ هذهِ الظّلمة ؟؟
هل ستطولُ الحالُ هكذا ؟؟
أنتَ شُعاع هذهِ الظّلمةِ الصّغرى …
و شمس الظّلمةِ الكُبرى …
ستنطلقُ في هذهِ الرّحلةِ الدنيوية …
ستتعثرُ وتجدهُ مُنقذكَ …
ستنهضُ وتَشعُر بهِ يأخذُ بيدك …
ستمرضُ وتلقاهُ طبيبكَ برحمتهِ …
و ستتألم وتأخذ دواءك من صفحاتِ كتابهِ أو في أروقةِ بيوتهِ المقدسة …
إلى ان يقضي أمراً كانَ مفعولا …
و يعود بكَ إلى حياةِ الخلودِ بقربهِ …
بعدَ فناءِ هذهِ الدّنيا الدنيّة ..

يالعظمَته يا أمي ….و هل طريقُ هذهِ الرّحلة وعرة ؟؟
أنتَ قائد السّفينةِ وربّانها يا بني …
دوّر شراعَكَ دائماً نحوهُ وستحوّل عثراتك طمأنينة …
إنتبه لرسائِلهِ وإشاراتهِ الخفيّة و كلّ الطرق ستقودك إلى الوجهةِ الصحيحةِ بإذنه .

وبعدَ تسعة أشهرٍ ونيّف …
إنطلقت السّفينةُ في بحرِ هذهِ الدّنيا …
تتقاذفها الأمواج …
و تعصفُ بها الرّيح …
و تتكالب عليها براثن الشّر من كلّ حدبٍ و صوب …

لكنّ قلبَ ربّانها كانَ كما خُلقَ في تلكَ الحجرةِ اللحميةِ المظلمة …
أبيضاً نقياً دائمَ الإتصالِ بمن خلقَه ….
معيةُ الخالق وحفظهِ لهذهِ الدّقاتِ منذُ لحظةِ إطلاقها …
كفيلةٌ بأن تحلّقَ بالقلبِ من جديدٍ نحوَ سماءِ الكمال …
و تطير بهِ إلى الملاذِ الأعلى …

“إلهي هَب لي كمالَ الإنقطاعِ إليك وأنر أبصارَ قلوبنا بضياء نظرها اليك … حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور … فتصل إلى معدن العظمةِ وتصيرَ أرواحنا معلّقة بعز قدسك”

بقلم : إيلاف علي حلاق
طالبة في كلية الطب البشري
السنة الرابعة
جامعة تشرين

Facebook Notice for EU! You need to login to view and post FB Comments!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!